الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

ديمقراطية الصندوق وشرعية الثورة


شبكة سيد دخيل الاخبارية /

تحقيق /  احمد شهاب الدين

الديمقراطية مجرد شكل سياسي بلا معنى مثلها مثل كل أشكال السلطة "الملكية والإسلامية"، هناك شعوب يحكمها ملوك وتتمتع باستقرار أفضل من دول ديمقراطية أو بمعنى أدق تحتكم إلى الصندوق فقط مثل لبنان والعراق وليبيا ومصر الآن.
ما يهب للشكل السياسي معنى هو تقبل الناس له بقبول حسن، أو بامتعاض أقل، هذا هو الفرق بين قطر وسوريا، وعندما يكثر امتعاض الناس إلى درجة تفوق غالبية السكان، حينها يفقد النظام شرعيته أيا كان شكله السياسي ديمقراطيا كان أو ملكيا.
توجد في أمريكا ودول أوروبا ذات الشكل السياسي الديمقراطي حركات مشابهة لتمرد، يحتلون الطرقات، ويعتصمون في الميادين، وانتعشت تلك الحركات بعد ثورة التحرير، فأصبح لدى الشعوب أملا في أن كل شيء يمكن أن يتحقق بالنزول إلى الشارع، ولكنهم جوبهوا بعنف "حريري"، ولم يتعاطف معهم الكثير، لأن امتعاض الناس لم يبلغ مداه، الشرعية لازالت موجودة، يمكن أن تهتز قليلا، ولكن الناس لم يستاؤوا كثيرا

الشرعية الثورية أسقطت مبارك وليست الديمقراطية


بعد إسقاط مبارك بشكل غير ديمقراطي، بقوة الشارع والميدان والهتاف، اكتسب هذا الشكل شرعية أكبر من الديمقراطية، لم يرحل مبارك بانتخابات أو استفتاء، رحل بإرادة فئة من الناس، قد يكونوا قلة، ولكن الناس كانت مستاءة من النظام القديم، بلغة أخرى كان الشكل السياسي القديم "ديمقراطية شكلية" فاقدا للشرعية، فلم يبالي معظم الشعب ببقاء مبارك أو رحيله، وباتوا في حيرة، يخافون من مجهول قادم، ومستاؤون من معلوم حاضر، وفي وسط اللامبالاة كان أي تحركا عنيفا ضد النظام سيتقبله الثوار بقبول حسن، فلم يدققوا كثيرا في مهرب شخصيات خطرة على النظام مثل قيادي حماس وحزب الله، أو في حصار بعض البلطجية لمقرات الشرطة وتبادل العنف بالعنف، وكانت الصورة والتركيز مسلط على التظاهرات السلمية التي امتلأت بها ميادين مصر، شارك فيها الإخوان على استحياء في البداية، ثم دخلوا بقوتهم في موقعة الجمل، كان موقفهم مشابها لحزب النور الآن، ينتقد النظام ولكن لا ينادي بإسقاطه صراحة، حتى يضمن له مكانا في النظام الحالي أو القادم

ديمقراطية بعد الثورة مهزوزة وغير مطمئنة


شارك الناس بأغلبية ساحقة في استفتاء مارس وفي انتخابات الرئاسة، واستفاد الإخوان وحدهم من هذين الاستفتائين، شارك فيه الشعب وشعر أن إرادته تحققت بشكل ما، حتى لو شابها تزوير، شعر الناس أن إرادتهم تحترم وتمثل، كان على الإخوان خاصة بعد أن أخذوا السلطة خالصة بعد الإطاحة بالمجلس العسكري، بعد مقتل الجنود المصريين في سيناء، أن يحترموا "الديمقراطية"، لأنها الضامنة لبقاءهم فترة معقولة.
لم ينجح الإخوان بالثورة ولكن بالديمقراطية، وتقبل الناس هذا الشكل الديمقراطي بقبول حسن، ولكن القبول لم يكن مطمئنا، كان قلقا قلق الغريب الذي يتحسس طريقا يسير فيه لأول مرة وسط ظلام ومخاوف، على عكس ديمقراطية أمريكا وإسرائيل والدول الغربية، فهي ديمقراطية مطمئنة ومجربة ولازالت تؤتي ثمارها، لم يفهم الإخوان هذا الفرق وهم يقارنون غضب الأمريكان على سياسات بوش الاقتصادية بغضب متنامي ضد الإخوان وطريقة إدارتهم للبلاد

مبارك استبد داخل الديمقراطية ومرسي استبد بها


مبارك مارس استبداده داخل الشكل الديمقراطي، واحترم التقاليد الديمقراطية، ونجح في خلق تنوعا اجتماعيا وسياسيا مرتبطا بفساده واستبداده، على الأقل قبل أن يقحم جمال نفسه في السياسة، كان هناك إعلام ينتقده بكل حرية، مع التزام ببعض الخطوط الحمراء، مثل عدم المساس بزوجته، وترك للإخوان والسلفيين حرية "الدعوة إلى الله"، وعاملهم بالعصا والجزرة، يدخلهم السجن ويسمح لهم بتولي مقاعد في البرلمان، مشاركة الإخوان في اللعبة الديمقراطية زمن مبارك أضفى "شرعية" للشكل السياسي الديمقراطي في نظام مبارك، لذا كان من المستحيل أن يخرج مبارك بشكل ديمقراطي، فالمعارضون الحقيقيون والذين يمكن أن يحوزوا شعبية كان يقصيهم من المشهد السياسي، مثل أبو غزالة وعمرو موسى وأيمن نور سابقا، ويبقى الإخوان وبعض الأحزاب الكرتونية.
مرسي الذي تولى السلطة بشرعية "الديمقراطية"، لم يحترم تقاليد الديمقراطية التي كانت ستحميه من "شرعية الثورة"، لم يمارس استبداده داخل الشكل الديمقراطي ولكن مارسها على الشكل الديمقراطي، فانقلب على الدستور الذي نجح بموجبه، كان عليه أن يتحرك وفقا للتقاليد الديمقراطية، لأنها ستحميه من "الثورة"، فاختزل الديمقراطية في "الصندوق

ديمقراطية الصندوق لا شرعية لها


الأهم من أن تنال السلطة عبر الصندوق، أن يقر في نفوس الشعب احترام الصندوق ونتائجه، الديمقراطية ليست شيئا مقدسا يمكن أن يكفر به الناس، خاصة إن وجدوا نتائجها كارثية، وقد ينادوا برجوع العسكر بل والنظام القديم بكل استبداده، إذا لم تلبي لهم ديمقراطية الصندوق طموحاتهم، أو على الأقل التقدم المعقول عن النظام القديم.
طوال الأعوام الماضية كانت شرعية "الصندوق" تتآكل أمام شرعية "الثورة"، كان الناس ينتظرون شكلا ما طريقا يخرجون عبره إلى الشارع وينادون بإسقاط مرسي، إن تعاطف الناس مع تمرد لم يأت فجأة، كان نتيجة لتآكل متدرج ومتنامي لشرعية الصندوق، وهو مالم يفهمه الأمريكان، وظنوا أن "شرعية الثورة" هي انعكاس لعجز المعارضين لمرسي، عن تحويل معارضتهم لنتائج انتخابية مما يدفعهم للجوء إلى الشارع.

أمريكا هي بنت الديمقراطية، وتقدس شكلها كما يقدس الإسلاميون "الشكل الإسلامي"، تصريحات آن باترسون تعكس ذلك، لم تستوعب ولعلها استوعبت ولكنها تكره، أن هناك شرعية أخرى تكتسب قوة يوما بعد يوم لأنه من بعد "شرعية الصندوق" وانتخاب مرسي، ومصر في حالة انحدار يهدد كل شيء كل شيء في مصر، ولعل محمد هيكل أيضا في حواراته في سي بي سي مع لميس الحديدي متأثر بـ"الهوى" الأمريكي في الشكل الديمقراطي، فهو لا يريد أن يرى أي تحرك ينتقص من شرعية الشكل الديمقراطي، الذي يراه تقدما ينبغي الحفاظ عليه

أمريكا تريد أن تريح ضميرها وتحقق مصالحها كيف؟


هل تعرفون ماذا تريد أمريكا بالضبط؟ ما يريح ضميرها ويحقق مصالحها، تأملوا في تحليلات الصحف القريبة من صنع القرار الأمريكي "واشنطن بوست وول ستريت جورنال"، وفي مراكز تقديم التوصيات للإدارة الأمريكية "معهد واشنطن"، وفي تصريحات كيري وآن باترسون، راجعوها ودققوا فيها، هي تريد شكلا ديمقراطيا ومجتمعا طائفيا، تريد ديمقراطية حقيقية لاتزوير فيها، واحترام "معقول" لحقوق الإنسان، ومجتمع طائفي منقسم مستقطب، فبهذا تريح ضميرها وتحفظ السلطة ماء وجهها أمام شعبها والعالم، وبذلك تضمن عدم وجود أي تقدم يهدد تفوق إسرائيل، لأن ثمار الديمقراطية سيأكله الاستقطاب، لهذا هي سعيدة بالإخوان، أو السلفيين فيما بعد، أو علمانيين متعصبين ضد الإسلاميين، حتى يقول الإسلامي إسلامي فاسد خير من علماني صالح، ويقول العلماني علماني فاسد خير من إسلامي صالح، ويحدث شلل اجتماعي وسياسي مثل النموذج اللبناني.
وحينما يقول الإخوان شرعية الصندوق، فهم يوجهون الخطاب إلى أمريكا أكثر من الشعب المصري، يقولون لهم انظروا إن معارضينا فوضويون مثل حركات احتلوا الغربية.

الشعب كفر بشرعية الصندوق


لقد اختزل الإخوان الديمقراطية في الصندوق، عطلوا الطوابير الانتخابية وقطعوا الكهرباء في بعض المناطق، وأغلقوا بعض مراكز الاقتراع مبكرا، وحشدوا أنصارهم في بعض التجمعات المسيحية والمعادية لهم، في الاستفتاء على الدستور، ونسوا أن الناس إن لم تشعر ان هذا الدستور لم يعبر عنهم، وأن الصناديق خدعتهم، فشرعية الصندوق تتآكل بشكل كبير، خاصة إذا دعم ذلك فشل في إدارة البلاد، وانهيار القوة الناعمة للنظام، وأضفى هذا الاختزال للشكل الديمقراطي زخما لشرعية الثورة، ترك الناس الرئيس المنتخب، وأخذوا يوقعون بحماس على عريضة تمرد.
الشعب المصري بقطاعات عريضة كفرت بديمقراطية الصندوق، ليس هذا الرئيس الذي يعبر عنا، ولا هذا الدستور دستورنا، وليست هذه مصر بلادنا التي كنا نأملها، وآمنت بالثورة، سننزل إلى الشوارع ونقول له مثلما قلنا لغيره "ارحل"، فميدان التحرير لاتزال صورته تدغدغ أحلام المصريين، ويرون فيه تمثيلا لمصر الثورة، أكثر من مجلس الشعب والرئيس المنتخب.
Unknown Web Developer

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق